عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
536
اللباب في علوم الكتاب
قوله : « لا تؤاخذنا » يقرأ « 1 » بالهمزة ، وهو من الأخذ بالذّنب ، ويقرأ بالواو ، ويحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون من الأخذ أيضا ، وإنما أبدلت الهمزة واوا ؛ لفتحها وانضمام ما قبلها ، وهو تخفيف قياسيّ ، ويحتمل أن يكون من : واخذه بالواو ، قاله أبو البقاء « 2 » . وجاء هنا بلفظ المفاعلة ، وهو فعل واحد ؛ لأنّ المسئ قد أمكن من نفسه ، وطرق السبيل إليها بفعله ؛ فكأنه أعان من يعاقبه بذنبه ، ويأخذ به على نفسه . قال ابن الخطيب « 3 » : وعندي فيه وجه آخر ، وهو أنّ اللّه تعالى يأخذ المذنب بالعقوبة ، فالمذنب كأنّه يأخذ ربّه بالمطالبة بالعفو والكرم ، فإنّه لا يجد من يخلّصه من عذابه إلّا هو ، فلهذا يتمسّك العبد عند الخوف منه به ، فلمّا كان كلّ واحد منهما يأخذ الآخر ، عبّر عنه بلفظ المؤاخذة ، ويجوز أن يكون من باب سافرت وعاقبت وطارقت . قوله : « إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا » . في النّسيان وجهان : الأول : أنّ المراد النّسيان الذي هو ضدّ الذّكر . فإن قيل : أليس فعل النّاسي في محلّ العفو بحكم دليل العقل ؛ حيث لا يجوز تكليف ما لا يطاق ، وبدليل السّمع ؛ وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « رفع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه » « 4 » وإن كان كذلك ، فما معنى طلب العفو عنه ؟ فالجواب من وجوه : الأول : أن النّسيان منه ما يعذر فيه صاحبه ، ومنه ما لا يعذر ؛ ألا ترى أنّ من رأى في ثوبه نجاسة ، فأخّر إزالتها عنه إلى أن نسي فصلّى وهي على ثوبه ، عدّ مقصّرا ؛ إذ كان يلزمه المبادرة إلى إزالتها ، وأمّا إذا لم ير في ثوبه نجاسة ، فإنه يعذر فيه ، ومن رمى صيدا فأصاب إنسانا ، فقد يكون بحيث لا يعلم الرّامي أنه يصيب ذلك الصّيد أو غيره ، فإذا رمى ولم يحترز ، كان ملوما ، وأمّا إذا لم تكن أمارات الغلط ظاهرة ، ثم رمى فأصاب إنسانا ؛ كان ههنا معذورا ، وكذلك الإنسان إذا تغافل عن الدّرس والتّكرار ، حتى نسي القرآن يكون ملوما ، وأمّا إذا واظب على القراءة ونسي القرآن ، فههنا يكون معذورا ؛ فثبت أن النّسيان على قسمين : منه ما يعذر فيه ، ومنه ما لا يعذر فيه ، وهو ما إذا ترك التّحفّظ ،
--> ( 1 ) أبدل ورش من طريقيه ، وأبو جعفر همز « تؤاخذنا » واوا مفتوحة . انظر : إتحاف فضلاء البشر 1 / 462 ، والدر المصون 1 / 697 . ( 2 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 122 . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 125 . ( 4 ) تقدم .